
|
|
على امتداد 173كم يتوضع الساحل السوري بين جبال لبنان الغربية شرقاً وبين البحر الأبيض المتوسط غرباً. وتقوم في هذا الساحل خلجان ورؤوس، رأس البسيط وراس ابن هاني. خليج اللاذقية وخليج بانياس، ومع ذلك فهو قليل التعاريج وجزره قليلة، أكبرها جزيرة أرواد. ويبلغ عرض الساحل 12كم وسطياً. وتنتشر في الجبال الموازية للشاطئ مدن وقرى ومواقع تتمتع ببيئة جغرافية ممتازة ومشاهد خلابة، وعلى الشاطئ تقوم مدن هي اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس، لها مرافئ لاستقبال السفن وتصدير النفط. تبلغ مساحة هذه المنطقة 4535كم2 وهي مأهولة بالسكان 1000ألف نسمة/كم2، والناس يتضاعفون في أيام الصيف وفي مواسم الاصطياف والسباحة. وتتصل هذه المنطقة بداخل سورية بعدد من الطرقات العامة منطلقة من المدن الأساسية. التقسيمات الإدارية: وإدارياً تقسم محافظة اللاذقية إلى أربعة مناطق و19 ناحية. · -منطقة اللاذقية وتتبعها نواحي: مدينة اللاذقيةقرى مركز اللاذقية - البهلولية - ربيعة-عين البيضا-قسطل معاف-كسب. · منطقة جبلة وتتبعها نواحي: مدينة جبلة-قرى مركز جبلة-عين الشرقية-القطيلبية. · منطقة الحفة وتتبعها نواحي: قرى مركز الحفة-صلنفة-عين التينة-كنسبّا-المزيرعة. · منطقة القرداحة وتتبعها نواحي: قرى مركز القرداحة-حرف المسيترة-الفاخورة
|
|

|
|

|
|
اللاذقية، المدينة والتاريخ
|
|
إن أقدم اسم لمدينة اللاذقية هو راميتا، أو ياريموتا كما وردت في رسائل العمارنة، وكانت قرية صغيرة مبنية على تل صخري تبلغ مساحة سطحه حوالي هكتار ونصف. وأبانت الكسر الفخارية المكتشفة في التل أنه يعود إلى عصر البرونز الحديث 1600-1200ق.م. وكانت تابعة لمملكة أوغاريت. وكانت علاقاتها الدولية مرتبطة بعلاقات أوغاريت. وفي العصر الهلنستي بعد الإسكندر أي في عصر السلوقيين أصبحت تحمل اسم لاوذكيّة أو لاوديسة تيمناً باسم والدة سلوقوس نيكاتور. وألفت مع أنطاكية وسلوقية وأفاميا نوعاً من الاتحاد. وفي العصر الروماني 64ق.م-395م منحها يوليوس قيصر بعض الامتيازات
|
|

|
|

|
|
وفي عام 20ق.م اعتنى الإمبراطور أوكتافيان باللاذقية فأمر ببناء مدرج على هضبة الطابيات. وفي عام 194م توسعت شوارعها وصار لها شارعان رئيسيان مزينان بصفين من الأعمدة. ومن المرجح أن القوس الكبير الذي مازال قائماً في نهاية أحد الشوارع، أنشئ في ذلك العصر. وفي العصر البيزنطي أصيبت اللاذقية بزلزال 529م هدم أقساماً منها فأمر الإمبراطور جوستنيان بإعادة إعمارها. وفي عام 636م كان الفتح الإسلامي وصارت اللاذقية تابعة لجند حمص. وكان العرب فيها ينتمون إلى قبائل يمنية، هي همدان وزبيد وسليح ويحصب. وزار اللاذقية المتنبي وأبو العلاء المعري الذي حل ضيفاً على رهبان دير الفاروس وتتحدث المؤلفات عن هذا الدير بإعجاب، وقال عنه ابن بطوطة "أعظم دير بالشام ومصر". وتمركز الصليبيون في اللاذقية بعد عام 1108م وأطلقوا عليها اسم لاليش، وأنشأوا فيها قلعة أو حصناً فوق الهضبة. وبدأ صلاح الدين الأيوبي حملته لتحرير اللاذقية بحصار القلعة في تموز 1188م. ثم حررها ثانية الأمير حسام الدين طرنطاي في نيسان 1287م
|
|
تطور المدينة وتوسعها
|
|

|
|
في العصر العثماني، تمت زراعة التبغ في اللاذقية وبخاصة "دخان أبو ريحة" الذي أصبح مطلوباً في العالم. وفي أواخر القرن الثامن عشر ألف تجار اللاذقية شركة تحت اسم "شركة تجار التبغ"، وكان مقرها "خان الدخان" الذي اصبح منذ عام 1982 متحفاً لمدينة اللاذقية. وكانت الحكومة العثمانية قد حصرت زراعة التبغ في اللاذقية منذ عام 1874.
|
|

|
|
في عام 1843 أصبحت اللاذقية مركز قائمقامية تابعة لطرابلس، وقسمت القائمقامية أربعة أقضية، وأصبحت اللاذقية قضاء على رأسها مدير. ثم أصبحت مركز متصرفية 1879م بأمر من مدحت باشا تابعة لولاية بيروت. وفي عصر الانتداب الفرنسي أصبحت اللاذقية وملحقاتها دولة مستقلة ثم توحدت مع بقية أجزاء سورية. وضع أول مخطط تنظيمي لمدينة اللاذقية في عام 1926، وجرت إليها المياه العذبة من نبع ديفة. ومازالت في أقسامها القديمة محافظة على طابعها العمراني ضمن تجمعات سكنية شبه مغلقة تسمى حارات تسود فيها البيوت المتلاصقة الضيقة المكشوفة أو المقببة المظلمة، أما أقسامها الحديثة فلقد تجلت فيها العمارة الطابقية الإسمنتية
|
|

|
|
وأصبحت في عام 1946 بعد الجلاء محافظة، وتطورت بعد إنشاء المرفأ العام سنة 1950. وشهدت المدينة اتساعاً كبيراً وامتدت أحياؤها الحديثة إلى الغرب والجنوب وفي الشمال حيث الأراضي الواسعة من السهل الساحلي ووصل التوسع حتى الحافة اليمنى لنهر الكبير الشمالي في الجهة الشرقية حيث مباني جامعة تشرين. وامتدت في المدينة الشوارع المستقيمة والعريضة والساحات، ونظمت الشواطئ ومثالها الشاطئ الأزرق والحدائق العامة. وفي الضواحي انتشرت الأحياء الصغيرة. ولقد أصبحت اللاذقية أكبر مدينة رياضية بعد إقامة الدورة الرياضية العاشرة لدول حوض البحر البيض المتوسط عام 1987 وما رافق هذه الدورة من إنشاءات رياضية وثقافية وعمرانية أتاح لها إقامة مهرجانات فنية وثقافية سنوية، وتعزز مركزها الثقافي بعد إنشاء جامعة تشرين عام 1973 بفروعها المتعددة، إلى جانب المعاهد والمدارس العديدة. تربطها بمدن القطر طرق دولية سريعة، ويصلها بحلب والجزيرة سكة حديدية. وكذلك تصلها بطرطوس وحمص ودمشق سكة أخرى. وفيها مطار باسل الأسد في حميميم على بعد 20كم من المدينة
|
|
الآثار المعمارية الباقية في اللاذقية
|
|

|
|
لم يبق من آثار الماضي سوى بقايا أبراج الميناء والقلاع وبعض القبور والحمامات والخانات، ومن أهم الآثار الرومانية، القوس المربع أو التترابيل في محلة الصليبة، وفي الجهة الشمالية من هذا القوس مازالت أربعة أعمدة غرانيتية تعود إلى معبد باخوس. ومن أشهر كنائس اللاذقية، كنيسة مارجرجس وتعود إلى عام 275م، وجددت مراراً، وكنيسة مارموسى الحبشي الذي مات قتيلاً سنة 400 م، ولقد أعيد بناؤها عام 1845م. وفي مغارة عند نهاية شارع بغداد، عثر على تابوت بطول 2.87م وارتفاعه 1.82م وعرضه 1.39 يعود إلى القرن الثاني، وهو رخامي مزين بالأكاليل والملائكة
|
|

|
|
من أقدم الجوامع التي مازالت قائمة الجامع المنصوري الكبير بني عام 607 هـ/1210م، ثم مسجد علاء الدين الخشاش المقابل لجامع الصليبة، بني عام 807هـ/31404، أما الجامع الجديد، فلقد أمر ببنائه سليمان باشا العظم عام 1139هـ/1726م وهو أكبر جوامع اللاذقية. ويمتاز بمئذنته الشامخة، ومحرابه ومنبره الخشبي المزخرف، وفي عام 1161هـ/1748 أنشئ جامع الميناء، أما الجامع المغربي فلقد انشئ على مراحل كان أخرها بناء مئذنته عام 1248هـ /1832م. وفي العصر العثماني، انشئت حمامات كثيرة أهمها الحمام الجديد وحمام القيشاني وحمام العوافي ولقد أزيلت، كما أزيلت أسواق اللاذقية كسوق الدمياطي وسوق البازار وسوق البيلستان، وكان كل منها يضم عدداً من الأسواق، ولم يبق من الخانات إلا خان الحنطة الذي بني عام 1139 هـ/1726م، أما الخانات الأخرى مثل خان إسرب وخان نور الدين فلقد تحولت لأغراض أخرى
|
|
متحف اللاذقية
|
|

|
|
في اللاذقية متحف أثري افتتح عام 1984 في مبنى قديم كان فندقاً عثمانياً، ثم أصبح خان الدخان، ثم جعلته فرنسا مركزاً لمندوبها، وبعد الجلاء أهمل قليلاً، ثم قامت المديرية العامة للآثار والمتاحف بإخلائه وتنظيفه وترميمه وتنظيم حديقته، وتزويده بالآثار القديمة ومن أهمها نسخ عن تمثال المصارع لبولكليت والذي عثر عليه في مركز مدينة اللاذقية، والأصل في المتحف الوطني بدمشق مع تمثال مجسم للإله بعل ومكبر بارتفاع ستة أمتار نفذه متحف برلين بمناسبة إقامة معرض من إيبلا إلى دمشق فيها، وأهديت هذه النسخة ووضعت في حديقة المتحف، وحولها آثار حجرية وتوابيت. والبناء في طابقين ويحوي قسماً للصناعات الشعبية والتقاليد
|
|
مرفأ اللاذقية
|
|

|
|
أنشئ مرفأ اللاذقية منذ العصر الفينيقي والسلوقي وتطور في العصر الروماني، وضعف دوره في العصر الإسلامي وبخاصة في عصر المماليك والعثمانيين. وبعد الحرب العالمية الأولى، ابتدأ الاهتمام بمرفأ اللاذقية فأنشئ فيه رصيف شمالي بطول 276م وعمق يتراوح بين 4-4.5م وذلك لرسو السفن واحتوائها بعد أن كانت ترسو في عرض البحر. وفي عام 1954 أنشئ رصيف آخر بطول 600م وعمق 9.5م، ثم رصيف ثالث شرقي بطول 27م وعمق 7م. وفي عام 1981 تمت زيادة طول المكسر الرئيسي ب- 1730م وأصبح طوله 3162م، كما أصبح بإمكانه حماية حوض مائي مساحته 145هكتاراً. ثم نفذ بناء 14مربطاُ على المكسر لسور السفن. وفي عام 1984 تم تنفيذ 14رصيفاً إضافياً بطول 2100م وبعمق 1180-1330م، وتشكيل حوض مائي مساحته 150هـ، وإنشاء مساحات إضافية في المرفأ مساحتها 180هـ.
|
|
|
مدينة أوغاريت
|
|

|
|
تعود أقدم منشآت تل راس الشمرة المكتشفة إلى العصر الحجري الحديث أي إلى الألف السابع ق.م، وتقع في الأكروبول وفي القسم الشمالي من هذا التل، وأما المعبدان الرئيسيان فيها فيرقى تاريخهما إلى الألف الثاني ق.م، وخصص أحدهما للرب دجن الذي نرى اسمه منقوشاً على نصب صغير من الحجر، والثاني للرب (بعل) الذي نقش رسمه على نصب من حجارة مجزأة وجدت بالقرب من بعضها، وقام بين المعبدين سكن كبير الكهنة ضم مكتبة دينية عثر فيها على أول النصوص الخاصة برأس الشمرة، وعلى مستودع حوى 74 قطعة من السلاح، والأدوات البرونزية التي تمثل قرباناً قدمه الحرفيون العاملون في صناعة البرونز فيها إلى كبير الكهنة، وأما في جنوب التل فهناك منزل كاهن آخر ضم نصوصاً دينية، وتم الكشف عنه في عام 1961
|
|

|
|
وفي شمال وجنوب الأكروبول امتد الكثير من الأحياء السكنية، والعديد من المحلات الخاصة بالحرف اليدوية التي مارستها جماعات مختلفة وردت أسماؤها في النصوص الملكية الإدارية والمالية مثل نجار، وحائك، وجوهري...؟ وأما المساكن فتوزعت في مجموعة بيوت متلاصقة تحيطها الشوارع والأزقة الضيقة المضطربة المتقاطعة فيما بينها على هيئة الزوايا القائمة. وفي الحي الغربي في أوغاريت بدت الشوارع الخاصة بعصر البرونز الحديث، والقصور أكثر مساحة، ويملك أفراد هامون بعضها وقد ضمت مكتبات غنية مثل مكتبة راشابابو، ورابانو، وأما البيت الشهير بالألباتر فقد اشتمل على منشآت خاصة بصناعة وتخزين الزيت والخمر والأشياء الثمينة، ومنشآت لحفظ الخزف والفخار وأواني الألباتر والمجوهرات، كان صاحب البيت المذكور مصرياً أو شديد الصلة بمصر، وأما هذه القصور فقد احتوى كل واحد منها على قبر للعائلة مع غرفة وسرداب ذي درج من الحجارة المصقولة، ولكن لم يعثر على أحد من هذه القبور سليماُ، وإنما عثر فيه على آثار منقولة خاصة بالأموات مصنوعة من الألباتر والعاج، والفخار.
|
|

|
|
امتد القصر الملكي أو القصر الكبير العائد لعصر البرونز الحديث على مساحة أكثر من هكتار، واحتوى على اكثر من مئة صالة انتشرت حول حدائق داخلية عديدة وباحات كثيرة انفتحت من إحدى جهاتها على رواق قائم على أعمدة خشبية ذات أساسات دائرية الشكل من الحجر. وأكدت المحفوظات الملكية المسمارية على أهمية ودور مملكة أوغاريت السياسي والاقتصادي خلال النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد، وعن اتساع علاقاتها الدولية، وعن نوع التنظيم الإداري الملكي فيها، وأما الثروة الخاصة بالأشياء المنقولة فظهرت في مجموعة الأثاث المطعم بالعاج الذي يمثل مشاهد دينية أو رمزية
|
|

|
|
كذلك تم العثور شمال القصر الملكي على بناء قديم يعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ويسمى القصر الشمالي، ولكنه وجد خالياً من أي أثاث، ووجد في جنوب القصر المذكور قصر أطلق عليه اسم القصر الصغير أو القصر الجنوبي، وهو معاصر للمرحلة الأخيرة الخاصة بالقصر الملكي في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وضم محفوظات اقتصادية تتعلق بالتجارة البحرية المتبادلة مع موانئ الساحل السوري الفلسطيني، وهناك في أسفل هذا القصر الصغير قبران بغرفة ذات عقد مبنية، وعثر في القبر الأكبر على آنية من الألباتر
|
|
أوغاريت / رأس الشمرة، التاريخ والموقع
|
|

|
|
ومن اللاذقية ننطلق شمالاً لزيارة أشهر موقع أثري في رأس الشمرة وهو أوغاريت1. والاسم مأخوذ من نبات الشمرة الذي يغطي التل، ويبعد 1كم عن مينة البيضاء شرقاً و9كم عن شمال اللاذقية، ويرتفع عن سطح البحر 19م. ولقد تم اكتشافه صدفةً عام 1928 وباشر العالم كلود شيفر التنقيب فيه عام 1929، فاكتشف حاضرة كنعانية هامة، وكان الاعتقاد أن الساحل السوري لا يحوي إلا آثاراً إغريقية ورومانية. ولكن رأس الشمرة أبان أن هذا الموقع غني بآثاره التي تعود إلى العصور الحجرية، وأن المدينة الكنعانية الكاملة وأن مجموعة من التلال المحيطة بها والتي تتجاوز الثلاثين تلاً كانت دليلاُ أن هذه المدينة كانت مركزاً لمواقع أخرى شكلت معها موطناً لمملكة هامة على الساحل السوري. تبين من اللقى الأثرية ومن المنشآت أن الإنسان عاش فيها منذ آلاف السنين خلال جميع مراحل العصر الحجري الحديث، وان هؤلاء السكان الأصليين هم جذور الشعب الذي نما وتقدم وشكل حضارة أوغاريت، ولكن شعوباً أخرى هاجرت إليه من بلاد الرافدين ولاشك، بدليل أن لغة كنعان وأوغاريت، كانت لهجات للغة الأكادية، وهي أول لغة في أسرة اللهجات العربية. كذلك فإن الفخار الذي عثر عليه في رأس الشمرة ينتسب إلى عصور الفخار الرافدي في عصر عُبيد وعصر تل حلف.
|
|

|
|
وتبدو الأصول الكنعانية لهذا التل من خلال تسميته أقارت وتعني المدينة أو القرية وقد ورد هذا الاسم في نقوش صارغون 2350ق.م. ولقد وصلت هذه الحاضرة ذروة ازدهارها في منتصف الألف الثاني. وكانت في ذلك الوقت على علاقة ثقافية وتجارية جيدة مع وادي النيل. مما يدل على مستواها الحضاري المتكافئ مع حضارة مصر القديمة. وكان فرعون مصر يقدم لهذه المدينة ولملكها الهدايا الثمينة من تماثيل عاجية وتحف تحمل كتابات ورموز مصرية، منها عقد من اللؤلؤ يحمل قلادة نقش عليها اسم الملك سنوسرت الأول، ومنها تمثال للأميرة شنوميت زوجة الملك سنوسرت الثاني. وثمة تمثال يمثل كاهن هيليوبوليس وإلى جانب مصر، فإن أوغاريت كانت على علاقة جيدة مع قبرص ومع شواطئ بحر إيجه.
لقد وفدت على أوغاريت شعوب غريبة كالحوريين والحثيين وكانت لغتهم وكتاباتهم غريبة، عاشوا كجاليات غريبة، أثرت وتأثرت بإحداث أوغاريت. ومن خلال الحفريات تم الكشف عن أبعاد هذه المدينة، ومازالت التنقيبات قائمة حتى اليوم، لقد تبين أن هذه المدينة كانت مقراً للسلطة التي حكمت هذه المملكة الممتدة من جبل الأقرع حتى جبلة. وفيها عثر على القصر الملكي وعلى الأبنية الدينية والأحياء السكنية والأحياء الصناعية. وفيها عثر على آلاف الوثائق المنقوشة على ألواح طينية بخط مسماري وبلغة أوغاريت، وتبين فيها أن الملك له ناصية كل الأمور السياسية والاقتصادية وانه يحكم باسم الشعب. ولقد بلغت المملكة مستوى راقياً، إذ ساد فيها القانون الذي نظم العلاقات الاجتماعية بين الناس، وكانت العادات والتقاليد محترمة وأساساً في تقويم العلاقات.
|

|
|
ولقد أفادت الرقم المكتشفة في قراءة تاريخ أوغاريت وفي التعرف على أوضاعها، ولكن ضمن حقبة محددة حتى القرن الرابع عشر والثالث عشر ق.م، وكان من أشهر ملوك هذه الحقبة نيقماد الثاني 1360-1330ق.م وفي عصره توضحت الآداب والعقائد المكتوبة على الرقم. كما توضحت أخبار العلاقات السياسية مع الآخرين كالمصريين والحثيين، وكانت المعاهدات والرسائل التي يرسلها الملك تدل على ذكاء وفطنة في سياسة البلاد وفي تأمين الأمن والسلام.
وجاء ملك قوي آخر بعد نيقماد الثاني هو ابنه نيقميع الذي حكم حقبة طويلة من 1324-1274ق.م وكان لقبه "ملك العدالة وعميد البيت الحاكم وحامي الحدود والبنّاء" وتزوج من أميرة عمورية. وتعاقب عدد من الملوك على أوغاريت وكان آخرهم عمورابي ابن نيقماد الثالث والذي حكم من 1225-1175ق.م. وكانت غزوات شعوب البحر القادمة على ما يبدو من بحر إيجه هي التي قضت على أوغاريت وعلى حواضر أخرى في الساحل السوري.
|

|
|
الوصف الأثري
|
|
وصلت أوغاريت إلى قمة ازدهارها في منتصف الألف الثاني ق.م ويدل على هذا الازدهار المباني الهامة التي تم اكتشافها، وهي القصر الملكي والأحياء الرسمية، ففي القسم الغربي من المدينة مازال السور واضحاً ولقد امتد خلف القصر الملكي الكبير. ويضم أكثر من مئة صالة، وفيه عثر على مجموعة من الأثاث المطعم بالعاج، يمثل مشاهد دينية رمزية، محفوظة في المتحف الوطني بدمشق. عند زيارة موقع أوغاريت فإن شارعاً يقسم الموقع إلى قسمين؛ القسم الشمالي وفيه القلعة والقصر، والقسم الجنوبي وفيه المدينة الرسمية
|
|

|
|

|
|
ومن الملاحظ أن عمارة القصر ذات طابع سوري متميز وفيه تم اكتشاف الوثائق الملكية على رقم طينية. ويتبع القصر الإسطبل الملكي وغرفة الكاهن ومسكن الحاكم العسكري ومسكن الملكة الأم. أما المدينة فهي مؤلفة من الحي الجنوبي وحي المعابد، والحي الشمالي الشرقي أو المدينة المنخفضة، والحي الغربي. ويتضمن حي المعابد معبد دجن والمكتبة ومعبد إيل. ولقد عثر خلال الحفريات المستمرة التي تمت في موقع أوغاريت على الكثير من القطع الفنية، نراها محفوظة في جناح خاص في المتحف الوطني بدمشق، منها أختام أسطوانية وأوزان وقوالب وقلادات. ومنها تماثيل للآلهة بعل وغيره وشواهد عليها نقش إله لعله إيل مع ملك أوغاريت. ومجموعة كبيرة من الرقم أي الألواح الطينية بعضها مغلّف بغلاف طيني، وبعضها مدموغ بخاتم لأنه يحوي مرسوماً أصدره الملك الحثي تودخاليا الرابع، وثمة ألواح عاجية تغطي منضدة أو تزين سريراً ورأس عاجي يمثل رجلاً أو امرأة، هذا عدا عن رقيم الأبجدية الصغير.
|
|
أبجدية أوغاريت و الرّقم
|
|

|
|
عثر في أوغاريت حتى الآن على حوالي 17000من الرقم؛ أي اللوحات الفخارية تعود للقرنين 14 و13ق.م، مكتوبة باللغة الكنعانية وباللغة الأكادية - البابلية، وكذلك على نصوص باللغة الحورية والمصرية والقبرصية والحثية. ولم تكن الأبجدية الأوغاريتية معروفة قبل اكتشاف موقع رأس الشمرة، وهي تستعمل 30حرفاً، بينما كانت الكتابات الأخرى تتضمن مئات الإشارات، ويمكن أن تعد أبجدية أوغاريت أقدم أبجدية ظهرت في العالم حتى الآن. وعندما حُلت رموزها من قبل المختصين باللغات القديمة تبين التشابه الكبير بين كنعانية أوغاريت واللغة العربية، وفيها 800كلمة موجودة في لغتنا. ولوحظ تشابهها مع اللغة العربية في صياغة الجمل وبعض التعابير. وهي تدرس الآن في حوالي خمسين جامعة في العالم. ووجِدت رقم أوغاريت في مجموعات، كل مجموعة بمثابة ديوان وثائق أو مكتبة. وأظهرت الحفريات سبعة دواوين في القصر الملكي، وديواناً في القصر الجنوبي، ومجموعات مختلفة من الأبنية في حي المساكن الفخمة ، وفي القسم الجنوبي من المدينة، وعلى الأكروبول. وقد أعطت الوثائق معلومات هامة عن تاريخ أوغاريت وحضارتها في شتى الميادين، وألقت ضوءاً على حوادث الشرق القديمة بعامة، ومنطقة الساحل السوري بخاصة. وذكرت الوثائق أسماء ما يقرب من ثلاثمئة مدينة أو موقع كانت تابعة لأوغاريت.
|
|

|
|
وثائق أوغاريت
|
|

|
|

|
|

|
|
مازالت الحفريات قائمة حتى اليوم في أوغاريت. وبخاصة في مسكن رحب يدعى بيت أورتينو ويقع جنوب المدينة وفيه عثر على أكثر من خمسمئة رقيم منقوش تعتبر من أهم المكتشفات الهامة وتدل على المكانة المتميزة التي احتلتها أوغاريت في عصر البرونز الحديث أي حوالي 1200ق.م. وهو دور أساسي في تاريخ سورية وتاريخ شرقي البحر الأبيض المتوسط.
ولقد نقشت هذه الرقم أو أغلبها باللغة الأكادية وهي لغة الاتصالات الدولية، أو لنقل أنها اللغة الفصحى بينما كانت الأوغاريتية هي لهجة محلية.ومن اشهر الرقم المكتشفة في أوغاريت رقيم عريض عليه أغنية صوفية، بمعنى أن الحب والدعاء فيها يختلطان، ولقد كشف العالم الموسيقي كريمر لحن هذه الأغنية ورأى أن الموسيقى السباعية الدياتونية كانت موجودة في أوغاريت قبل ظهورها في بلاد اليونان بألف عام.
ولقد سجلت هذه الأغنية مع جوقة في جامعة لوس أنجلس على أسطوانات، وكان الهارب هو الآلة الموسيقية المرافقة نظراً لتأكد استعماله في ذلك العصر الذي يعود إلى القرن 14ق.م.
|
العقائد
|
|
نصوص رأس الشمرة حدثتنا عن الأساطير خلال الألف الثاني. وقد تشكلت خلاله ملاحم دينية مثل الملاحم التي وجدت في بلاد الرافدين سجلت معالم الدين. فملاحم الملك نقماد تعود الى منتصف القرن الرابع عشر، وتتحدث عن سيد الآلهة "إيل" وكذلك كان من خصائص ثالوث الإله ويطلق عليه "فليون ودمسقيوس إيل كرونوس"، وقد كان يشرف على الأنهار ويتنبأ بالأمطار، وكانت زوجته هي عشيرات البحر وتسمى أيضاً إيلات. ويأتي بعد ذلك بعل ويعني السيد وهو وصف لإله معين كان اسمه حدد عند السوريين وأدد عند أهل بلاد ما بين النهرين. وهو إله يشرف على القمم والعواصف والرعد والمطر. وقد ذكرت بعض الأساطير في رأس شمرا أن بعل إله ليس له معبد بينما كانت لأغلب الآلهة معابد.
وغالباً ما يكون الإله بعل سابق على العصر الفينيقي، وقد صور على شكل محارب على رأسه خوذة وبيده مقمعة، أما زوجه فهي عشيرات، وهي غير عشيرات البحر قرينة إيل والد بعل. ثم يأتي بعد ذلك ألييان بن بعل وهو شبيه بأبيه، وكان يشرف على المنابع والأنهار. وبعد ذلك أنات أخت ألييان، وهي تشبه عشتار صاحبة إربل الأشورية. وقد عبدها المصريون عندما دخلوا أرض كنعان، وصوروها بصورة الآلهة أنتا. ثم عشتار وهي تشبه الآلهة قدش عند المصريين، وكانت تصور على هيئة امرأة امتطت أسداً. وكان خصم ألييان أخاه موت وهذا شبيه بما جاء في قصة أزوريس مع أخيه ست، وكان عدوه، وهو يدل على شمس الظهيرة المحرقة فهو إله الجحيم. وكان بعل إله العاصفة والمطر، وكذلك كان الييان إله المنابع والأنهار، ثم هو أيضاً إله الفيضان الذي يغمر الأرض. أما موت فهو رمز الحصاد. وقد كان كل من الإلهين الييان وموت إذا اجتمعا يمثلان تعاقب الفصول حسب ما جاء في أسطورة "عشتار وأدونيس". أما إيل فكان والد بعل ورب الأرباب
|
|
رأس ابن هاني
|
|

|
|

|
|
لمتابعة الحديث عن أوغاريت لابد من ذكر موقع هام مرتبط بتاريخ أوغاريت هو موقع رأس ابن هاني. والذي يقع على بعد 7كم شمال اللاذقية ويبعد عن مركز أوغاريت 4.5كم. وهو راس طويل يمتد بضعة كيلومترات شمال اللاذقية. ولقد تبين من أعمال التنقيب التي تمت فيه بدءاً من عام 1975 أن هذا الرأس كان موقع مدينة ملكية أرستقراطية أنشأها ملك أوغاريت عمشتمرو الثاني الذي حكم 1260-1230ق.م ولعل أهمية هذا الموقع تكمن في إمكان مراقبته لحركة الملاحة ومشاغل الأرجوان التي كانت هناك. ويضم القسم الشرقي من المدينة قصرين ومساكن واسعة ويبدو أن المدينة كانت تسمى بيروتي أي الآبار. وكان القصر الجنوبي ضخماً ولعل القصر الشمال كان لأخت الملك، ولقد عثر فيه على ألواح طينية نقشت فيها رسائل وقوائم ومفردات نصوص طبية سحرية.
وفي هذا القصر كشف عن ثلاثة محترفات، كما عثر على قالب لصب السبائك، مما يدل على فاعلية صناعية تقوم على استيراد المعادن وعلى تبادل تجاري بعيد المدى، ويبدو أن هذه المدينة هدمت مع أوغاريت، ولكن أعيدت الحياة إليها وبقي الموقع مأهولاً حتى العصر الهلنستي، حيث اكتشفت أسوار تعود إلى هذا العصر مع بعض المباني تدل على ازدهار المدينة في هذا العصر، منها مدفن القبان الذي شيد فوق السور الهلنستي ويعود إلى القرن الأول ق.م، وهو ماثل بين المساكن الحديثة في الشاطئ الأزرق. وفي هذا القرن أنشئت القلعة التي تلقت هجوماً رومانياً. ولم يبق من العصر البيزنطي شواهد تذكر حتى الآن. وشمال اللاذقية قرية قريبة هي بسنادا، فيها عين ماء أثرية آرامية
|
مينة البيضا
|
|
كانت مرفأ إضافياً لمدينة أوغاريت، استعادت نهوضها بعد سبات طويل منذ ضياعها مع أوغاريت، ولقد تم اكتشاف آثار تعود الى القرن الخامس ق.م. أي العصر المسمى بالفارسي، وفيه تم اكتشاف كنز من النقود اليونانية وأدوات منزلية ودمى وتماثيل وأكواب وأختام. ولقد تم هجران هذا الموقع في عام 250ق.م تقريباً
|
|
|